الأموال
السبت، 18 مايو 2024 06:19 صـ
  • hdb
10 ذو القعدة 1445
18 مايو 2024
بنك القاهرة
CIB
الأموال

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرماجد علي

كُتاب الأموال

د.محمد فراج يكتب : ثورة الجامعات الأمريكية والأوروبية من أجل فلسطين.. تحية واجبة

د.محمد فراج
د.محمد فراج


الغضب الذى تفجر فى كبرى الجامعات الأمريكية خلال الأسابيع الأخيرة ضد حرب الإبادة الصهيونية للشعب الفلسطينى، والذى امتد منها إلى جامعات كبرى فى كندا والمكسيك وبريطانيا وفرنسا وغيرها هو أحد وجوه الانقلاب الشامل الذى شهده الرأى العام العالمى ضد العدو الصهيونى والحكومات الغربية الداعمة له، وفي مقدمتها الإدارة الأمريكية.
وإذا كان الإعلام الغربى الرسمى بمختلف وسائله يتخذ موقف التعتيم على الحقائق والترويج للمواقف الصهيونية والغربية، فإن كاميرات الفيديو وصفحات وسائل التواصل الاجتماعى قد نشرت على أوسع نطاق وقائع حرب الإبادة التى تشنها آلة الحرب الصهيونية على غزة وما حفلت به من مشاهد مروّعة لتدمير البيوت فوق رؤوس سكانها، وحصار وقصف المستشفيات والمدارس ودور العبادة واقتحامها وقتل المرضى والسكان العزل بأعصاب باردة وبأشكال متعنتة فى همجيتها، وأدى كل هذا لاشتعال المظاهرات الحاشدة ضد الوحشية الصهيونية فى كل أنحاء العالم، بما فى ذلك كبرى العواصم والمدن الغربية تحت شعارات مثل «أوقفوا إطلاق النار فورا»، «فلسطين حرة»، «كلنا فلسطينيون» وهى مظاهرات شملت أيضا نيويورك وواشنطن وشارك فيها يهود ديمقراطيون معادون للصهيونية ولوحشية جيش الاحتلال وللدعم المطلق الذى تقدمه دول مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا لإسرائيل ولعدوانها الهمجى على الشعب الفلسطينى.
والأمر المؤكد أن هذا الانقلاب فى الرأى العام العالمى قد أدى إلى بعث القضية الفلسطينية وتصدرها للاهتمام الدولى بعد أن كادت تدفن خلال الأعوام الماضية، تحت وطأة العدوان الصهيونى والتواطؤ الغربى والتخاذل العربى والتعتيم الإعلامى الشامل، ومثلت التحركات الجماهيرية الواسعة فى مختلف أنحاء العالم ضغوطا لا يستهان بها على الحكومات الغربية، اضطرتها للتخفيف ولو قليلا من غلواء دعمها غير المشروط للعدو الصهيونى أو وضعتها فى موقف الحاجة إلى الدفاع والتبرير لمواقفها، وتكفى الإشارة إلى أن استطلاعات الرأى فى الولايات المتحدة الأمريكية أشارت إلى تحول أغلبية واضحة من الشباب بالذات إلى دعم القضية الفلسطينية والوقوف ضد العدوانية الصهيونية، بالرغم من النفوذ الطاغى الذى تملكه رؤوس الأموال الصهيونية فى الإعلام الأمريكى والغربى عمومًا.
ثورة الجامعات الأمريكية
إلا أن امتداد ثورة الغضب ضد الصهيونية إلى الجامعات الأمريكية ومنها الجامعات الأروبية كان «المفاجأة غير السارة» الأشد تأثيرًا لما هو معروف من دور مهم للحركات الطلابية فى الغرب، فى مواجهة السياسات الرجعية والعدوانية لتلك الدول فى مفردات سياسية واجتماعية ذات أهمية كبرى كالنضال ضد التفرقة العنصرية في أمريكا وضد النظام العنصرى في جنوب إفريقيا فى حينه وموقف الحركة الطلابية الأمريكية بصورة خاصة والغربية عمومًا ضد الحرب الأمريكية على فيتنام، وهى المواقف التى كانت من الأسباب الهامة لتراجع الإدارة الأمريكية عن مواقفها الرجعية والعدوانية كما كانت سببا مهما لمراجعة سياسات بعض الدول الأوروبية وتكفى الإشارة إلى أنها كانت من أهم أسباب استقالة الجنرال ديجول من رئاسة فرنسا، وهو الزعيم الكبير وقائد المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازى أثناء الحرب العالمية الثانية.
وترجع أهمية الحركات الطلابية بالذات إلى العدد الكبير الذى يمثله الطلاب في المجتمع وخاصة فى الغرب حيث يتمتع أغلب الطلاب بالتعليم الجامعى وهم ينتمون إلى مختلف طبقات المجتمع، ولذلك فإن تأثير مواقفهم يمتد على نطاق واسع من خلال أسرهم ونواديهم وتجمعاتهم المختلفة، ومعروف أن الطلاب يتسمون بقدر كبير من الحماس والجرأة بحكم سنهم الشبابية وما يتمتمع به الشباب من نزعة مثالية وما يتيحه لهم عدم اندماجهم فى العملية الانتاجية من وقت أوسع للاهتمام بالشئون العامة والقضايا الكبرى كما أن طبيعة (عملهم أى دراستهم) تدفعهم للاهتمام بتلك القضايا ودراستها واستقصاء جذورها ويجعلهم كل ذلك أكثر حساسية تجاه القضايا العامة وأكثر استعدادا للتحرك بشأنها، وخاصة حينما تكون متصلة بالقيم والمثل العليا كالحرية والعدالة وحقوق الشعوب والأقليات بما فيها حق المقاومة، الخ، وهى كلها أمور تمثل صلب القضية الفلسطينية.
وحينما تتوافر فى الجامعات الحدود الدنيا من حرية البحث العلمى وإعمال العقل، ويتوافر أساتذة يمكن أن يمثلوا قدوة فى هذه المجالات، فإن استعداد الطلاب للانخراط فى الشئون العامة يصبح أكبر، وهذا بالضبط ما يتوافر فى الجامعات الكبرى والرائدة مثل جامعات كولومبيا وهارفارد وييل وبرنستون إم. أى. ثى، معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا فى أمريكا وأوكسفورد وكامبريدج فى بريطانيا والسوربون فى فرنسا، وبديهى أن هؤلاء جميعًا من أكثر شرائح المجتمع استخدامًا للكمبيوتر والشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل الاجتماعى.
وجدير بالذكر أن كل الجامعات المذكورة تجىء فى صدارة أى تصنيف علمى للجامعات الرائدة في العالم وتتخرج فيها نخبة المستقبل فى بلدانها.
الشرارة اندلعت من كولومبيا
وهكذا اندلعت شرارة الغضب من جامعة كولومبيا الرائدة، حيث نظم المئات من طلابها مظاهرات ضد العدوان الصهيونى على غزة معلنين تأييدهم للحقوق الفلسطينية ومطالبين للإدارة الأمريكية بوقف دعمها للكيان الصهيونى، كما طالبوا إدارة الجامعة بالتوقف عن أى تعاون علمى أو تقنى مع إسرائيل أو جامعاتها وسحب أى استثمارات للجامعة فى أى شركات تنشط فى إسرائيل.
ومعروف أن الجامعات الكبرى الخاصة فى أمريكا لديها صناديق تملك رؤوس أموال ضخمة تستثمرها للإنفاق منها على مختلف الأنشطة الجامعية وخاصة تلك الجامعات الأكبر مثل هارفارد ومعهد ماساتشوستيس وكولومبيا وبرستون وكاليفورنيا كما أن عديد من الجامعات الأمريكية والغربية تدخل فى علاقات تعاون مع حكومات أو شركات أجنبية للتطوير العلمى والتقنى بما فيها مشروعات دفاعية ومعهد ماساتشوستيس للتكنولوجيا مثلًا لديه مشروعات للتعاون مع اسرائيل فى إنتاج المسيرات.
رئيسة جامعة كولومبيا وهى للأسف مصرية الأصل اسمها نعمت شفيق سارعت بإبلاغ سلطات الأمن ضد اعتصام الطلاب مطالبة بفضه مما أشعل غضب الطلاب الذين رفضوا فض الاعتصام وأدى حصار البوليس للجامعة وتدخل ضد الاعتصام إلى زيادة غضب الطلاب وامتداد الانتفاضة الطلابية إلى معهد ماساتشوستيس للتكنولوجيا الذين سارعوا للتظاهر والاعتصام هم الآخرون، ومن ثم امتدت الشرارة إلى جامعتى جورجتاون وجورج واشنطن المرموقتين فى واشنطن، ثم إلى جامعات كبرى أخرى مثل برنستون وييل وكاليفورنيا وغيرها أكثر من أربعين جامعة أمريكية.
ومن ثم امتدت شرارة التظاهرات والاضرابات إلى جامعات كندية كبرى مثل جامعة تورونتو وجامعة أوتاوا العاصمة وفانكوفر وماكجيل وإلى الجامعة الرئيسية فى المكسيك ومن ثم إلى جامعة ساو باولو الرئيسية فى البرازيل.
وبالتزامن عبرت شرارة الثورة الطلابية المحيط إلى جامعتى أوكسفورد وكامبريدج وجامعات أخرى فى بريطانيا وإلى جامعة السوربون العريقة ومدرسة العلوم السياسية التى يتخرج فيها عادة رجال السياسة والسلك الدبلوماسى ومسئولو الدولة ومن ثم إلى ألمانيا (جامعة برلين وهامبورج) لتصل الشرارة إلى جامعات يابانية واسترالية وهندية ولاتزال الحركة تتسع وأعلام فلسطين تنتشر ومعها الشعارات المؤيدة للحقوق الفلسطينية والمعادية لاسرائيل والمطالبة بوقف العدوان على غزة وبسبب استثمارات الجامعات من إسرائيل ومقاطعتها.
ويجب الإشارة إلى أن مئات من أعضاء هيئات التدريس بمن فيهم كبار الأساتذة يدعمون احتجاجات الطلاب ويصدرون بيانات بهذا الشأن بل ويشاركون فى المظاهرات والاعتصامات.
ذعر فى الإدارة الأمريكية
الحركة الطلابية متزايدة الاتساع فى الجامعات الأمريكية أثارت ذعر الإدارة الأمريكية واللوبى الصهيونى والكونجرس وشنت أجهزة الأمن حملات اعتقال شملت «ألفين ومائتين» حتى الآن من الطلاب وبعض الأساتذة مستخدمة أساليب بالغة الخشونة كما لجأت الحركة الصهيونية إلى تنظيم مظاهرات مضادة من الطلاب الصهاينة ضد التحرك الطلابى علمًا بأنه يضم فى صفوفه أعدادًا كبيرة من الطلاب اليهود وقامت المظاهرات المضادة باعتداءات على مخيمات الاعتصام فى حماية الشرطة، كما قاموا بتعليق أعلام إسرائيل على الأسوار الخارجية لأماكن الاعتصام ليبدو الأمر وكأن الاعتصامات مؤيدة لإسرائيل وكل ذلك فى حماية الشرطة!!
الأمر الأخطر والأكثر دلالة هو أن الإدارة الأمريكية واللوبى الصهيونى قاما بشن حملة إعلامية وسياسية ضارية ضد الحراك الطلابى متهمين إياه بمعاداة السامية وهى تهمة شديدة الخطورة فى أمريكا، بل وتقدم أعضاء فى مجلس النواب بمشروع قانون تم تمريره للأسف وينتظر العرض على مجلس الشيوخ يقضى بتوسيع نطاق تهمة معاداة السامية لتشمل انتقاد سياسات الدولة الصهيونية.
كما خرج الرئيس الأمريكى بايدن هو الآخر ليلقى خطابًا شن فيه هجومًا عنيفًا ضد الحراك الطلابى متهمًا إياه بمعاداة السامية ومؤكدًا استمرار دعم الإدارة الأمريكية القوى للكيان الصهيونى.
والحقيقة أن موقف الإدارة الأمريكية من الحراك الطلابى فى جامعات البلاد قد كشف زيف الادعاءات الديمقراطية التى تدعيها السلطات الأمريكية والكونجرس واللوبى الصهيونى وبطلان أكاذيب أمريكا بأنها حارسة الديمقراطية فى العالم.
غير أن الاتساع المتزايد للحراك الطلابى فى الجامعات الأمريكية بالرغم من هذه الحملات السياسية والإعلامية والقانونية المسعورة، يوضح صلابة هذا الحراك وإصرار الطلاب الأمريكيين على الاستمرار فيه. كما أن امتداد الحراك الطلابى المؤيد للحقوق الفلسطينية إلى الجامعات الأوروبية_ برغم الاجراءات القمعية وإلى جامعات أخرى فى العالم، من شأنه أن يمثل ضغطا مهما على الحكومات الداعمة للعدوان الصهيونى، وهو فى جميع الأحوال يؤكد وجود أناس شرفاء ذوى ضمير قادرين على الدفاع عن الحق فى هذا العالم وهذا فى حد ذاته أمر يدعو للأمل والتفاؤل..
كل التحية والاحترام للطلاب الشرفاء المؤيدين للحقوق الفلسطينية فى كل مكان.

مصر للطيران
ثورة. الجامعات الأمريكية .الأوروبية . فلسطين.

آخر الأخبار

بنك الاسكان
NBE