الأموال
الخميس، 4 يونيو 2020 09:46 صـ
12 شوال 1441
4 يونيو 2020
شارك
CIB
الأموال

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرماجد علي

كُتاب الأموال

د. محمد فراج يكتب : ‫‬٢٠١٠ ‫-‬ ٢٠١٩ ..‬ تحولات استراتيجية في النظام العالمى (٦)

الأموال


دفاع أفضل بنفقات أقل.. كيف أفلتت روسيا من فخ نزيف سباق التسلح؟
انخفاض مستمر للإنفاق العسكرى بفضل الاعتماد علي تطوير البحث العلمى
الاقتصاد الروسى أثبت قدرته علي تحمل أعباء المواجهة.. وينمو باستمرار

تحدثنا في المقالين السابقين من هذه السلسلة عن نجاح روسيا، تحت قيادة بوتين ورفاقه في إعادة تنظيم وبناء اقتصادها خلال العقد الأول من هذا القرن، وكيف ساعد هذا النجاح على إعادة بناء القوة العسكرية الروسية، بما فيها الترسانة النووية والصاروخية، وما ارتبط بذلك من استعادة نفوذ موسكو السياسى في الجمهوريات السوفيتية السابقة، وفي عديد من مناطق العالم، وفي مقدمتها منطقة الشرق الأوسط.
كما تحدثنا عن التحالف الروسى - الصينى ودوره في التعزيز المتبادل لقوة البلدين، وكذلك عن نجاح روسيا في التصدى لتوسع حلف «الناتو» نحو حدودها.
وكان عام ٢٠١٤ علامة فارقة في التاريخ المعاصر للعلاقات الدولية، إذ شهد انفجار (الأزمة الأوكرانية) والإطاحة بالرئيس الأوكرانى المنتخب (يانوكوفيتش) المقرب من روسيا (فبراير ٢٠١٤) بسبب رفضه لمشروع اتفاقية لضم أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبى، اعتبرها يانوكوفيتش مجحفة بمصالح بلاده، وتم ذلك من خلال مظاهرات محدودة العدد التى مولتها ونظمتها أمريكا والدول الغربية الكبرى، وشارك فيها مسئولون أمريكيون!!
وأعلن النظام الجديد عن نيته في طرد الأسطول الروسى من شبه جزيرة القرم، وإلغاء الاتفاقية المنظمة لوجود ذلك الأسطول حتى عام ٢٠١٢.. علمًا بأن (القرم) هى أرض روسية أصلا، تم نقلها إلي أوكرانيا في زمن الاتحاد السوفيتى بقرار إدارى.. وأن الغالبية الساحقة من سكانها هم الروس.. كما كان الحديث يجرى علنًا عن عزم السلطات الأوكرانية الجديدة علي تأجير القواعد البحرية في القرم للولايات المتحدة..
ونظرًا للأهمية الاستراتيجية الكبرى لشبه جزيرة القرم بالنسبة لروسيا، حيث تتوسط الساحل الشمالى للبحر الأسود (منفذ روسيا إلي المياه الدافئة).. فقد تحركت القوات الروسية فورًا للسيطرة علي القرم، وتم إجراء استفتاء من السكان حول الانضمام إلي روسيا، كان من الطبيعى أن ينتهى بموافقة الأغلبية الكبرى (الروسية) علي العودة لأحضان الوطن الأصلى.
ومن ناحية أخرى أعلن سكان منطقة (الدونباس) جنوب شرقي أوكرانيا تمردهم علي العاصمة كييف نظرًا لأنهم يتحدثون بالروسية، وأغلبهم روس أيضًا، بينما أرادت السلطات الجديدة إلغاء اللغة الروسية كلغة رسمية ثانية، وفرض اللغة الأوكرانية عليهم، فقدمت موسكو لسكان الدونباس دعما اقتصاديًا وعسكريًا، جعل الجيش الأوكرانى يفشل في محاولة السيطرة على المنطقة ويتكبد خسائر فادحة.
وقد أشعلت هذه التطورات السريعة والحاسمة غضبًا عارمًا فى الولايات المتحدة والدول الأوروبية الأعضاء في «الناتو» لأنها أفشلت مخطط ضم أوكرانيا إلى الحِلف، بعد فترة انتقالية فى صفوف الاتحاد الأوروبى، مثلما حدث مع جميع دول أوروبا الشرقية والوسطى.. علمًا بأن الحدود الروسية - الأوكرانية يبلغ طولها (١٥٠٠كم) تمتد بحذاء المنطقة المركزية من أراضى روسيا الأوروبية الشرقية، ذات الأهمية الكبري سكانيًا وصناعيا واستراتيجيًا، وبقدر ما أن انضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبى والناتو كان سيمثل تهديدًا بالغ الخطورة للأمن القومى الروسى، فإن إفشال روسيا لهذا المخطط كان خسارة كبرى للغرب، أشعلت الغضب فى جميع عواصمه، وترتب عليها فرض عقوبات اقتصادية قاسية ومؤثرة ضد موسكو، من جانب الاتحاد الأوروبى، فضلا عن العقوبات الأمريكية الأقل تأثيرًا.
صراع الإرادات
أعلنت روسيا بصورة واضحة أنه مهما تكن الإنذارات والعقوبات فإنها لن تتخلى عن (القرم) وأن شبه الجزيرة هى أرض روسية عادت إلى حضن الوطن، وعبر استفتاء لسكانها.. وعززت دفاعاتها فى القرم بصورة حولتها إلى قلعة حصينة يستحيل اقتحامها، كما ردت علي العقوبات الاقتصادية الأوروبية بحظر استيراد السلع الزراعية من الاتحاد الأوروبى، والتحول إلى دول أخرى للاستيراد، وهو ما أضر بعدد من الدول الأوروبية الصغيرة الأكثر ارتباطًا بالسوق الروسية، كالمجر واليونان والنمسا والتشيك وسلوفاكيا، لكن العقوبات لاتزال مستمرة حتى الآن بسبب الضغوط الأمريكية.
غير أن الأمر الأهم بكثير كان سعى روسيا إلى مواجهة تأثير العقوبات الأوروبية بتعزيز توجهها نحو الشرق، نحو الصين أساسًا وبلدان النمور الآسيوية (شرق وجنوب شرق آسيا)، الأمر الذى أدى إلى توثيق العلاقات في شتي المجالات بين روسيا والصين، بصورة استفاد منها الطرفان.. وهو ما يلاحظه سياسيون غربيون يأسف في مقدمتهم مثلا الرئيس الفرنسى ماكرون.
وفى سياق المواجهة التى أشعلتها الأزمة الأوكرانية لجأت الولايات المتحدة إلي تنظيم (إغراق) كبير لأسواق البترول بالتحالف مع بعض الدول المصدرة الكبيرة لضرب صادرات البترول والغاز الروسية، وبالتالي ضرب موارد موسكو من العملة الصعبة.. وأدى هذا إلي انهيار سعر البرميل من خام برنت من حوالي ١٢٠ دولارا للبرميل إلى ٢٦ دولاراً!! ومعروف أن عائدات تصدير البترول والغاز تمثل أكثر من ٧٠٪ من موارد العملة الصعبة الروسية.
وأدت سياسة الإغراق البترولي هذه إلى خسائر ضخمة لروسيا، وإلى تراجع الناتج المحلي الإجمالى عامى (٢٠١٥ - ٢٠١٦) بأكثر من نقطتين ونصف نقطة مئوية، وبعد جهد شاق تمكنت روسيا من الاتفاق مع السعودية وغيرها من منتجى (الأوبك) على خفض الإنتاج وامتصاص الفائض الكبير في العرض، وبالتالي صعود الأسعار من جديد، وتقليل نزيف الخسائر التي عانى منهاالجميع، وذلك فى إطار ما عرف بآلية (أوبك +) ـ (أوبك بلاس).. وهو ما أدى إلي ارتفاع الأسعار مجددًا إلى ما بين (سبعين وثمانين دولارا) للبرميل ليستعيد الاقتصاد الروسى انتعاشه مجددًا، وليصل الناتج المحلى الإجمالى إلى (٣٫٨٦٦ تريليون دولار) عام ٢٠١٧ ثم إلى ٤ تريليون دولار عام ٢٠١٨ وإلى (٤٫١٥٧ تريليون دولار) عام ٢٠١٩، ودائمًا بحساب القدرة الشرائية للدولار (PPP) وحسب أرقام صندوق النقد الدولى.
سباق التسلح..
استغلت الولايات المتحدة والدول الأطلسية الكبرى الأزمة الأوكرانية كذريعة للدفع بحشود كبيرة من القوات والأسلحة المتطورة باتجاه الحدود الروسية، وبصورة خاصة فى بولندا (المشتركة في الحدود مع أوكرانيا من ناحية الغرب) وجمهوريات البلطيق الثلاث الملاصقة لروسيا (استوانيا وليتوانيا ولاتفيا)، ومن ناحية أخرى فقد سرَّعت أمريكا من عملية بناء «الدرع الصاروخية» التي تهدف إلى اعتراض الصواريخ الروسية وشل قدرة موسكو على توجيه ضربة انتقامية، فى حال تعرضها لهجوم نووى.. وهو ما يعنى في حالة حدوثه.. انفراد الولايات المتحدة بالقدرة علي توجيه الضربة النووية وحرمان الخِصم من القدرة على الرد ونسف ما يعرف بنظرية «الردع النووى المتبادل». كما ردت الولايات المتحدة علي تقريب العناصر المكونة لمنظومة «ردع الصاروخية» من الحدود الروسية، ومعروف أن تكلفة «الدرع» باهظة للغاية ولا تقل عن عشرات المليارات من الدولارات على أقل تقدير، ومع حشد قوات أطلسية كبيرة بجوار الحدود الروسية وصنع منظومات صاروخية وتسليحية متطورة مختلفة كانت الولايات المتحدة تهدف إلى فرض سباق تسلح منهك على روسيا، يستنزف قدراتها وينهك اقتصادها، كما حدث مع الاتحاد السوفيتى وكان من أهم أسباب انهياره.
لهذا اتجه الروس إلى التفكير في اتجاهات أقل تكلفة من الناحية الاقتصادية، لكنها مؤكدة الفعالية، في مقدمتها اختراق «الدرع» الأمريكية بواسطة صواريخ «شبحية» لا تلتقطها رادارات المنظومة، وتكون فائقة السرعة (١٠ - ٢٠ مثل سرعة الصوت) بحيث تكون قادرة على الوصول إلى الأراضى الأمريكية بسرعة أكبر بكثير من سرعة الصواريخ الاستراتيجية الحالية، وتكون قادرة على المناورة بحيث يصعب صدها بفرض اكتشافها، ويكون الصاروخ الواحد متعدد الرؤوس النووية، وقد تجسد هذا كله في جيل جديد من الصواريخ والأسلحة أعلن عنها بعد تجربتها الرئيس الروسى بوتين في اجتماع خاص للجمعية الاتحادية الروسية (الاجتماع المشترك لمجلس البرلمان)- أول مارس ٢٠١٨. وفي مقدمتها صواريخ «كينجال/الخنجر» و«أفانجارد/الطليعة» الشبحية فائقة السرعة، وصواريخ «سارمات» الاستراتيجية الشبحية متعددة الرؤوس النووي القادرة علي المناورة.. وأعلن بوتين في نفس الاجتماع عن تطوير غواصات «شبحية» مسيّرة ـ ليس على متنها بشر!! ــ وحاملة للصواريخ النووية يمكنها ضرب الأراضى الأمريكية، وكلها أسلحة تحتاج الولايات المتحدة لسنوات حتى تنتج مثيلتها، أى أنها تقدم لروسيا سبقا مريحا، والمؤكد أن هذا نتيجة لتطور كبير للبحث العلمى في المجال العسكرى.
وكان بوتين حريصًا علي الإعلان عن أن تكلفة هذه الأسلحة أقل بكثير من الأسلحة الأمريكية وكذلك المنظومات الهجومية الروسية الموجودة حاليًا، وعلي أن روسيا «حريصة على عدم الانجرار إلي سباق تسلح» منهك لاقتصادها، بل وعلي تقليص إنفاقها العسكرى.
إنفاق عسكرى أقل..
وهذا ما اعترفت به مراكز الأبحاث الغربية نفسها، إذ يشير تقرير لأحد أهم مراكز الدراسات الاستراتيجية الغربية المتعاونة بصورة وثيقة طبعًا مع أجهزة المخابرات «معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام/ سيبرى» عن الإنفاق العسكرى في العالم عام ٢٠١٨، إلى تناقص الإنفاق العسكرى الروسى من ٩٠ مليار دولار عام ٢٠١٢ مثلاً إلى ٦٠٫٤ مليار دولار عام ٢٠١٨ الذى شهد الإعلان عن الأسلحة المشار إليها فى مقالنا.
كما تشير أرقام البنك الدولى إلى اتجاه عام لخفض الإنفاق العسكرى الروسى كنسبة الناتج المحلى عن ٤٫٨٦٪ عام ٢٠١٥، وحوالى ٥٫٤٥٪ عام ٢٠١٦- عام احتدام الأزمة الأوكرانية- لتصبح نسبته ٤٫٢٣٪ عام ٢٠١٧ ثم ٣٫٩٣٪ من الناتج المحلي الإجمالى عام ٢٠١٨.
وصحيح أن هذه النسبة تظل أكبر من نسبة الإنفاق العسكرى الأمريكى إلي الناتج المحلى (٣٫٢٪) عام ٢٠١٨ وأكبر من نسبة إنفاق الصين (٢٫٩٪) في العام ذاته، ومن نسب الإنفاق فى دول «الناتو» الأوروبية (أقل من ٢٪ في أغلبها).. وكلها دول أغنى من روسيا بكثير.
إلا أن هذا الإنفاق يظل «مرهقًا» ولكن ليس «منهكًا» للاقتصاد الروسى (كما كان الحال مع الاقتصاد السوفيتى).. بدليل أن اقتصاد روسيا قد عاد للنمو عام ٢٠١٧ (بنسبة ١٫٥٪) و(٢٫٣٪) عام ٢٠١٨.. ومن المتوقع أن يحقق نموا يدور حول ٢٪ تقريبا في الأعوام من ٢٠٢٠ إلى ٢٠٢٤ ــ حسب تقديرات صندوق النقد الدولي، وهى نسبة نمو أعلى من نظيرتها في الدول الأوروبية الصناعية الكبرى ــ ويأتى ذلك بالرغم من أن روسيا قد خرجت من تبعات احتدام الأزمة الأوكرانية، لتدخل فى تحمل نفقات التدخل العسكرى في سوريا، بناءً على طلب دمشق.. وهى نفقات بالمليارات يتحملها الاقتصاد الروسى منذ عام ٢٠١٥.. ومثل هذه النفقات يفرضها الدور العالمي للدول العظمى.
‫>>‬ وخلاصة القول إن روسيا قد استعادت خلال العقد المنقضى مكانتها كدولة عظمى، جنبًا إلى جنب مع الصين (التى تحدثنا عنها تفصيليا في المقالين رقم ٢ و٣ من هذه السلسلة) وأن الاقتصاد الروسى أثبت قدرة علي تحمل تبعات هذا الدور العالمي ليتحول النظام الدولي إلى نظام تعدد الأقطاب بحلول نهاية العقد المنقضى (٢٠١٠ - ٢٠١٩).. وهو التحول الاستراتيجى الرئيسي الذى شهدته العلاقات الدولية خلال ذلك العقد، وصحيح أن الولايات المتحدة تظل القوة الأولى في هذا النظام الجديد متعدد الأقطاب، إلا أن الصحيح أيضا أنها فقدت الهيمنة التي فرضتها على العالم والانفراد بوضع القوة العظمى لمدة عقدين.. وأنها لم تعد مطلقة اليد فى تصريف شئون العالم.. وهذا تطور بالغ الأهمية لصالح الدول الصغيرة والمتوسطة بالذات وشعوبها..
وللحديث بق

آخر الأخبار

بنك الاسكانالبنك الأهلي المصري
البنك الأهلي المصريHDB