الأموال
الأربعاء، 17 أبريل 2024 08:32 صـ
  • hdb
8 شوال 1445
17 أبريل 2024
بنك القاهرة
CIB
الأموال

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرماجد علي

كُتاب الأموال

د.محمد فراج يكتب : الصهيونية بين الخرافات وحقائق التاريخ (٣)

د.محمد فراج
د.محمد فراج

تحدثنا فى المقالين السابقين من هذه السلسلة عن خرافة الوعد الإلهى لليهود بأرض فلسطين والمنطقة الممتدة من النيل إلى الفرات، وأوضحنا الطابع الأسطورى الخرافى التوراتى لهذا الوعد المزعوم (الأموال، ١٨ فبراير، و٣ مارس ٢٠٢٤) وعن استحالة تأسيس أى حق تاريخى يهودى فى فلسطين على أساس توراتى وكذلك عن اندثار وجود قبيلة بنى إسرائيل على أرض فلسطين وتشتت أبناء هذه القبيلة الصغيرة فى مختلف بلدان المنطقة كجماعات صغيرة تحت وطأة ضربات الإمبراطوريات البابلية والآشورية والمصرية ثم الرومانية بحيث انقطع وجودها فى فلسطين منذ ألفى عام بينما استمر وجود الشعوب والأعراق الأكبر من ذلك لقرون طويلة «الفلسطينيين والكنعانيين والآراميين» واستمر وجود الشعب الفلسطينى حتى الوقت الحاضر أى على مدى خمسة آلاف عام.

كما أوضحنا أن الغالبية الساحقة من اليهود المعاصرين ينتمون إلى مملكة الخزر التى اعتنق ملكها ونخبتها اليهودية وموقعها المنطقة الممتدة بين البحر الأسود وبحر قزوين والتى كان سكانها ينتمون عرقيا إلى طلائع الهجرات التركية القادمة من عمق الشرق الآسيوى والتى كانت فترة ازدهارها من القرن الثامن إلى القرن العاشر الميلادى ثم تم تدميرها على أيدى القبائل السلافية الشرقية الروس بصفة أساسية ليتشتت سكانها فى بلدان الشرق الأوسط، وأوروبا الشرقية والوسطى، بينما وصل بعضهم إلى بلدان أوروبا الغربية كألمانيا وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا وهم اليهود الغربيون «الأشكينار» الذين يمثلون الأغلبية الساحقة من اليهود المعاصرين، كما توضح المراجع التاريخية بما فيها تلك التى كتبها يهود ومنها كتاب «القبيلة الثالثة عشر» للمؤرخ والكاتب اليهودى الشهير أرثر كوستلر Arther koestler وهو كتاب تم نشر عدة ترجمات له إلى اللغة العربية ويستند إلى عدد كبير من المراجع، بينما يمثل اليهود الشرقيون السفارديم ذوو البشرة السمراء الأقلية الضئيلة من اليهود المعاصرين الذين يتعرضون للتمييز والاضطهاد فى إسرائيل نفسها.

خرافة الأصول السامية

ويترتب على ذلك قبل كل شيء أنه لا أساس للقول بالأصول السامية للغالبية الساحقة من اليهود المعاصرين، حيث إنهم لا ينتمون إلى منطقة الشرق الأوسط موطن الشعوب والأقوام السامية وفى مقدمتها «العرب» الذين يمثلون الغالبية الساحقة من الساميين.

ويترتب على ذلك ثانيا أن خرافة العداء للسامية التى حولتها الدعاية الصهيونية إلى تهمة بشعة يوصم بها كل من يرفض إسرائيل وطابعها العنصرى البغيض أو تكون لديه انتقادات تجاه الصهيونية، هى تهمة باطلة لا أساس لها تاريخيا لأن العرب يمثلون الأغلبية الساحقة من الشعوب والأقوام السامية المقيمة فى المشرق العربى على مدى القرون.

وهكذا فإن التهمة التى حولها الصهاينة إلى فزاعة رهيبة لشعوب العالم تقوم على خرافتين كبيرتين:

أولهما الادعاء بأن اليهودية هى قومية شرق أوسطية قديمة، بينما اليهودية دين وليست قومية بحال من الأحوال والصهيونية هى أيديولوجية عنصرية فاشلة استعمارية لا علاقة لها بالأصل العرقى.

وأما الخرافة الثانية فهى الزعم بأن اليهود المعاصرين «الخزر» هم من الأقوام السامية بل ومحتكرو الانتماء إلى السامية، وتجريد العرب من هذه الصفة، بل وإلصاق تهمة العداء للسامية بهم!! علمًا بأننا لا نعتبر السامية ميزة خاصة أو شرفا يجب التفاخر به، بل هى مجرد تسمية لمجموعة من الشعوب والأقوام تنتمى تاريخيا والسمات الجينية بحكم انحدارها من أصل واحد أو أصول متقاربة تاريخيا.

وللعلم أيضا فإن نسبة سكان منطقتنا إلى سام بن نوح هى مسألة فيها نظر، لأن تقسيم سكان العالم إلى أبناء سام وحام ويافث «أبناء نوح» هو تقسيم توراتى أصلا ولا يشمل الشعوب الصفراء الآسيوية مثلا التى يبلغ عددها نحو نصف سكان العالم ولا يشمل الهنود الحمر الذين كانوا قديما سكان القارة الأمريكية بشمالها وجنوبها والمنسوبون إلى «بافتشين نوح» هم شعوب بيضاء عديدة تختلف أشكالها وتركيبتها الجينية تماما كما تختلف أشكال الشعوب المنسوبة إلى حام بن نوح حسب التوراة، وتركيبتها الجينية فمنهم السمر والسود وسكان استراليا الأصليين الأقزام.

وباختصار فإن هذه كلها أمور يحكمها علم الانثروبولوجيا وليس التقسيم التوراتى الأسطورى.

اضطهاد اليهود فى أوروبا

أوضحنا فى المقال الثانى من هذه السلسلة «الأموال، ٣ مارس» أن العداء لأبناء الأديان والعقائد والشعوب الأخرى والاستعلاء عليهم كان سمة عامة فى أغلب أنحاء العالم فى العصور القديمة والوسطى بحكم الجهل والتخلف وضعف التفاعل بين الشعوب والمجتمعات لتخلف وسائل الانتقال من جهة وبحكم الصراع على الموارد المحدودة فى ظل تخلف وسائل الإنتاج من جهة أخري، وكان اضطهاد الأقليات بصفة عامة خاصة يمثل سمة عامة كذلك، وأشرنا إلى أن موقف اليهود القدامى أنفسهم لم يكونوا استثناء من هذه القاعدة، بل كانوا يتسمون بقدر كبير من التطرف، كما توضح التوراة ونبوءة أشعياء الواردة فيها، والتى كانت تدعو لإبادة الأعداء الذين يغزوهم اليهود «لا تبق منهم نسمة»!! وضربنا أمثلة على ذلك من اضطهاد الرومان الوحشى لاتباع المسيحية لعدة قرون، بما فى ذلك فى مصر التى كانت مستعمرة رومانية «عصر الشهداء» والحروب الصليبية التى تعرض المسلمون والمسيحيون الأرثوذكس فى البلقان وشرق أوروبا بالفظائع ومذابح كثيرة على أيدى جنود الحملات الصليبية الكاثوليكية وما شهدته أوروبا من مذابح جماعية فى الحروب بين الكاثوليك والبروتستانت.. إلخ إلخ.

وحين تم تدمير مملكة الخزر فى القرن العاشر الميلادى وتشتت سكانها فى المناطق المجاورة فإن سكانها لم يكونوا استثناء من هذا المناخ العام المتسم بالتعصب الشديد والعدوانية تجاه «الآخر».

لكن يظهر هنا اعتباران إضافيان مهمان:

الأول أن الكنائس المسيحية الكاثوليكية والأرثوذكسية على السواء كانت تتهم اليهود الأوائل بالمسئولية عن دم المسيح أو صلبه، وبالتالى فقد كان العداء لليهود «المعاصرين وقتها» شديدا.

ونود أن نشير هنا إلى أن القران الكريم لا يعترف بصلب المسيح أساسا: «وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبه لهم» (الإسراء: آية ١٥٧).

الاعتبار الثانى: أن يهود الخزر الذين فقدوا بلادهم وتشتتوا فى البلدان الأخرى لم يكن مسموحًا لهم بتملك الأراضى الزراعية فى البلدان التى انتقلوا إليها، وأغلبها بلدان يسود فيها نمط الإنتاج الإقطاعى من الطراز الأوروبى حيث لا يسمح للغرباء بامتلك الأرض، كما أن العمل فيها كان مرتبطا بشروط لا يتسع المجال للتطرق إليها فضلا عن الظروف شبه العبودية التى كان يعيش فيها الفلاحون التابعون للسادة الإقطاعيين، وبديهى أن هذا لم يكن جذابا لليهود المهاجرين الذين لا يعرفون أصلًا كم من الوقت سيعيشون فى هذا المجتمع أو ذاك؟

وبناء على ذلك فقد كان الأقرب إلى المنطق أن يتجهوا نحو التجارة والحرف اليدوية المختلفة والصيرفة أو الإقراض بالربا الذى تحرِّمه اليهودية بينما تحرمه المسيحية السائدة فى تلك المجتمعات، وهى أوضاع تيسر لهم الهجرة إذا اقتضى الأمر.

وكان هذا سببا إضافيا يضاف إلى الأسباب الدينية لأن تنظر إليهم المجتمعات التى يعيشون بين ظهرانيها نظرة عدائية باعتبارهم غرباء عابرين يحققون ثروات كبيرة من مصادر مكروهة، وفى الوقت نفسه فإن المجتمع يحتاج إليهم وخاصة الملوك الذين يحتاجون للمال لتجهيز الجيوش والحملات العسكرية والأمراء الإقطاعيين والفرسان..الخ.

ويذكر التاريخ أن الملوك الذين قادوا الحملات الصليبية لم يكن نادرًا أن يشنوا المذابح ضد اليهود ليتخلصوا من أعباء ديونهم الربوية للصيارفة والمرابين لليهود!! علما بأن هؤلاء الملوك نظموا المذابح ضد الشعوب المسيحية الأرثوذكسية فى شرق أوروبا والبلقان فى طريقهم إلى فلسطين وسوريا لكى ينهبوا ثرواتهم، كما ارتكبوا هذه الجرائم ضد المسلمين أيضا.

وحينما سقط الحكم العربى الإسلامى فى إسبانيا ١٤٩٢ تعرض المسلمون الأغلبية واليهود على السواء لحملات التنكيل والطرد من البلاد ونهب الثروات واضطرت أعداد منهم للتظاهر باعتناق المسيحية للإفلات من هذا المصير، ولعل هذا ما يفسر وجود جاليات كبيرة من اليهود فى المغرب وبلدان الشمال الأفريقى التى اضطروا للهجرة إليها للفرار من هذا الاضطهاد، والاحتماء بالحكم الإسلامى الذى يتميز بقدر كبير من التسامح مع «أهل الكتاب» مقارنة بأجواء التعصب التى كانت سائدة فى إسبانيا خصوصًا وفى أوروبا عموما، ويذكر التاريخ مثلا أن «موسى بن ميمون» الفيلسوف والطبيب اليهودى الشهير كان طبيبا خاصا لصلاح الدين الأيوبى كما عاش اليهود فى ظل أجواء التسامح فى ظل الحكم الإسلامى فى مصر والعراق وتركيا «الدولة العثمانية» ومارسوا أعمالهم فى سلام واندمجوا فى مجتمعات تلك البلدان ووصل كثير منهم من الموهوبين إلى مناصب رفيعة فى حكوماتها أو حاشيات حكامها.

واللافت للنظر بشدة أنه طوال هذه القرون لم يفكر اليهود الأوروبيون فى الهجرة إلى فلسطين بل كانوا يهاجرون أو يفرون إلى البلدان العربية والإسلامية ثم بدأت أعداد كبيرة منهم تهاجر إلى أمريكا بعد ثورتها ١٧٧٦ واكتشاف ثروات هائلة فيها وبدء تطورها العاصف والرأسمالية وخاصة من بين انجلترا وبلدان أوروبا الغربية حتى أصبحت أمريكا أكبر مركز لتجمع اليهود فى العالم فى بداية القرن العشرين.

وللحديث بقية

مصر للطيران
الصهيونية الخرافات حقائق التاريخ د.محمد فراج

آخر الأخبار

بنك الاسكان
NBE