الأموال
الخميس، 4 يونيو 2020 10:11 صـ
12 شوال 1441
4 يونيو 2020
شارك
CIB
الأموال

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرماجد علي

كُتاب الأموال

د. محمد فراج  يكتب : كورونا - دروس صينية (٢)

الأموال

حرب عالمية ضد الوباء تقودها الصين

الأرواح أهم من الأرباح.. والفيروس أكبر تهديد للأمن الدولى

تراجع دور الدولة في الرعاية الصحية .. أضعف مناعة أوروبا أمام كورونا

تحدثنا في الجزء الأول من هذا المقال (الأموال - 22 مارس 2020) عن التجربة الصينية الناجمة والملهمة فى مواجهة وباء «كورونا» ودروس هذه التجربة العظيمة فى إدارة الأزمة، وأولها هو اتسام هذه الإدارة بالرؤية الشاملة والحزم والقدرة على التعبئة السريعة للموارد الوطنية وتوجيهها في الاتجاه المطلوب التركيز عليه. وذكرنا أن الحكومة الصينية اتخذت قرارا حاسمًا بفرض حظر التجوال في مدينة «ووهان» الصناعية الكبرى، وفى عدد من المدن الأصغر فى نطاق مقاطعة «هوبى» وعزلت هذه المدن عن بعضها، كما عزلت أحياء مدينة «ووهان» عن بعضها، وقسمت المدن بطريقة تشمل السيطرة علي الحركة فيها، ونظمت بصورة دقيقة وصارمة طريقة حصول السكان على الطعام والأدوية، وتوصيلها لغير القادرين على الحركة.. وباختصار فإن الحكومة الصينية أقامت منطقة حجر صحى عملاقة تضم ستين مليون نسمة، تحت إشراف الجيش والأمن وفرق المتطوعين، وخصصت المستشفيات الضرورية، كما أقامت عددا من المستشفيات الجديدة تم بناء أولها خلال عشرة أيام والباقى خلال أيام قليلة أخرى!

وجلبت إلى «ووهان» والمناطق المحيطة بها الطواقم الطبية اللازمة من بقية أنحاء البلاد، وكذلك الأجهزة الطبية اللازمة من كواشف حرارية وأجهزة تنفس صناعى وتحاليل.. إلخ.. خلال أيام قليلة، كما وفرت ما يلزم من مواد وأدوات التعقيم.. والكمامات والقفازات والملابس الطبية الوقائية خلال أيام قليلة، وبكميات كافية، وبالمجان.. وحولت خطوط إنتاج فى بعض المصانع للعمل على إنتاج كل ذلك خلال أيام.

كما استفادت من تطورها العلمى الكبير فى إقامة شبكة كمبيوترات ضخمة وتوفير قاعدة بيانات واسعة ودقيقة حول الحالة الصحية للمرضى والمشتبه في مرضهم، والمخالطين.. وكل التفاصيل المطلوبة لإحكام السيطرة على الأوضاع الصحية والمعيشية للسكان كما تم إدخال «الروبوتات» فى هذه العملية بدءا من توصيل الطعام والعلاج إلى المرضى، أو إلى المحتاجين لذلك في البيوت، وفى عمليات قياس الحرارة والكشف على المشتبه فى مرضهم، وإرسال البيانات إلى شبكة الكمبيوتر العملاقة التى تحفظ وتعالج كل هذه البيانات.

الإنسان هو الأهم

ولم يتوقف المسئولون الصينيون أمام التكلفة الباهظة لعملية إنقاذ الشعب والبلاد من كارثة استفحال الوباء، لا فيما يتصل بالإنفاق الضرورى، ولا من ناحية وقف الإنتاج وتعطيل المصانع، لأن الإنسان وصحته وحياته أهم من كل اعتبار آخر.. كما صرح المسئولون الصينيون مرارا ويصرحون باستمرار.

وقد ساعد على توفير هذه النفقات والإمكانات الضرورية أن اقتصاد الصين الضخم (ثانى اقتصاد فى العالم ويستطيع أن يتحمل مثل هذه التكاليف، كما ساعد على الأداء الكفء والناجح، أن الصين تمتلك نظاما صحيا قويا ومتطورا ولديها أعداد كبيرة من الأطباء وأعضاء هيئات التمريض والفنيين وبنية تحتية صحية ضخمة ومميزة.

وبديهى أن هذا الإنجاز الصينى الكبير لم يكن ليتم لولا ما أبداه شعب الصين نفسه من نضج ووعي وانضباط.. وهى سمات أصيلة فى تكوينه وشخصيته.

الحرب العالمية علي الوباء

حينما كانت الصين في ذروة الحرب على كورونا، كان الفيروس اللعين شديد العدوى فقد تمكن من التسلل إلى عشرات الدول، مثيراً الرعب في أنحاء العالم، وبالرغم من أن حدود وملامح هذا الانتشار لم تكن قد اتضحت إلا فى كوريا الجنوبية وإيران فى بداية الأمر، فإن الإعلام الغربى وخاصة الأمريكى الراغب في النيل من الصين بكل وسيلة فى سياق الحرب التجارية والتعاظم المطرد لقوة «التنين الأصغر» قد نشر موجة هائلة من الذعر بخصوص الوباء، أكبر بكثير مما حدث بسبب أى وباء آخر فى التاريخ.. غير أن الدول الغربية التى كان إعلامها ينشر هذا الذعر.. لم تتخذ الإجراءات الكافية لمنع تسلل الوباء إليها ليتحول الكابوس الإعلامى خلال أسابيع إلى حقيقة ماثلة للعيان (كابوس فعلى)!!

وهكذا.. بينما كانت الصين قد ألحقت الهزيمة بالوباء.. وبدأت فى إعادة تشغيل المصانع المغلقة، وافتتاح المدارس أمام التلاميذ كان الوباء قد انتشر فى أكثر من 150 دولة.. وتغلغل بعمق وأنشب أظفاره فى أهم الدول الأوروبية الغربية الكبرى وفى مقدمتها إيطاليا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا وغيرها.. ثم اقتحم الولايات المتحدة الأمريكية بعنف ووصل إلي الكونجرس والبنتاجون والبيت الأبيض ذاته.

غير أن الأحوال كانت على أسوأ ما يمكن فى إيطاليا بالذات، التى مضى «كورونا» يحصد الأرواح فيها بالعشرات أولا، ثم بالمئات كل يوم، حتى وصل عدد حالات الوفاة فيها حتى كتابة هذه السطور (صباح الأربعاء 25 مارس 2020) إلى أكثر من 6 آلاف، أى قرابة ضعف عدد حالات الوفاة في الصين (أكثر بقليل من 3 آلاف حالة وفاة)!! علمًا بأن عدد سكان الصين (1400 مليون نسمة)، وعدد سكان إيطاليا 60 مليون نسمة فقط!! وبينما تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن عدد مرضى كورونا فى إيطاليا يبلغ حوالى 64 ألفا، فإن أنجلو مورينى مدير وكالة الدفاع المدنى الإيطالية المسئولة عن جمع بيانات الإصابة بالفيروس، صرح بأنه يعتقد أن العدد الحقيقى ربما يبلغ عشرة أمثال هذا الرقم.. أى (640 ألفا)!!

>> أما فى إسبانيا (40 مليون نسمة) فقد بلغ عدد حالات الإصابة حوالى 40 ألفا وحالات الوفاة حوالى 2700 حتى مساء الثلاثاء (24 مارس).. وبلغت الإصابات فى فرنسا نحو 20 ألفا والوفيات 860 حتى مساء الاثنين 23 مارس، بينما بلغت الوفيات فى بريطانيا (422) حتى صباح الأربعاء 25 مارس، وبلغت الوفيات فى ألمانيا (149) حالة وحالات الإصابة (31.7) ألف حالة حتى صباح الأربعاء (25 مارس).

>> وفى الولايات المتحدة بلغ عدد حالات الإصابة حوالى 53 ألف حالة، والوفيات (685) حتى مساء الثلاثاء (24 مارس) ـ «رويترز، RT» مع تزايد حالات الإصابة والوفاة بصورة حادة في ذلك اليوم (أكثر من 9200 إصابة) و(132 حالة وفاة) يوم الثلاثاء (رويترز، RT - - 24مارس).

وتخشى منظمة الصحة العالمية أن تتحول الولايات المتحدة إلى أخطر بؤرة عالمية للوباء مع التزايد السريع لحالات الإصابة والوفاة خصوصا فى نيويورك (المدينة والولاية) وكاليفورنيا، وولاية واشنطن على المحيط الهادى (وهى غير مدينة واشنطن دى- سى العاصمة) وقد أعلن الرئيس الأمريكى ترامب حالة الطوارئ فى الولايات الثلاث.

>> وقد طرحت كل الدول المذكورة عن حزم مالية ضخمة لمواجهة الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الوباء، حيث إن حالات إغلاق المنشآت الاقتصادية وحظر التجوال الكلى أو الجزئى فى مناطق محددة ومنع الانتقال بين الدول بهدف تقليل انتشار العدوى كلها أمور أدت لخسائر فادحة فى مختلف القطاعات الاقتصادية من السياحة والطيران حتى الصناعة والقارة، فضلا عن الالتزامات الاجتماعية من جانب الدول تجاه مواطنيها الذين فقدوا وظائفهم بسبب إغلاق المؤسسات الاقتصادية، ويقدر الخبراء الخسائر الناجمة عن انتشار الوباء بأنها أكبر من خسائر الأزمة الاقتصادية العالمية (2008/ 2009) أو حتى من الكساد العالمى الكبير (1929) غير أن المقام لا يتسع لمناقشة هذا الجانب من القضية فى هذا المقال.. وسنحاول العودة لمناقشتها بالتفصيل فى أقرب فرصة.

ماذا أصاب أوروبا؟

أصبح واضحًا أن أوروبا (الغربية بالذات) قد صارت البؤرة الأكثر خطورة لانتشار بل تفشى وباء كورونا، ففيها أكبر عدد من المصابين بالمرض ومن حالات الوفاة وخاصة فى ايطاليا وإسبانيا وينشر بعض الكتاب ذلك بأن نظام الرعاية الصحية المتقدم فى دول أوروبا الغربية قد أدى لارتفاع متوسط الأعمار وأن كبار السن هم الأكثر تعرضا من بقية الفئات العمرية للإصابة بالمرض والوفاة بسببه نظرا لضعف مناعتهم مع تقدم أعمارهم، وهم يمثلون أغلب حالات الوفاة.

ولا يخلو هذا التفسير من بعض الوجاهة، لكنه لا يجيب عن أسئلة كثيرة بالغة الأهمية تتصل بما كشف عنه تفشى الوباء من ضعف في إمكانات المستشفيات ونقص فى عدد الأسرة، وخاصة فيما يتصل بغرف العناية المركزة، ونقص شديد في أجهزة التنفس الصناعى وحتى الكواشف الحرارية ووحدات التحليل للعينات المرضية، وكذلك النقص فى طواقم الأطباء والممرضين. إلخ.. إلخ.

ويدفعنا ذلك إلى الاعتقاد بأن تراجع دور «دولة الرفاة» في الرعاية الصحية للمواطنين ذلك الدور الذى كان مألوفاً على مدى عشرات السنين طوال القرن العشرين ـ هو السبب الرئيسى فى الضعف الذى اعترى منظومات الرعاية الصحية في الغرب خلال العقود الأخيرة.

وترجع هذه الحقيقة إلى تصاعد قوة الأحزاب والاتجاهات اليمينية في أوروبا وسيطرة المد اليمينى على البرلمانات والحكومات والانتشار الواسع لمفاهيم «الرأسمالية المتوحشة» فى الحياة الفكرية والسياسية فى الغرب، وخاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتى والمعسكر الاشتراكى فى شرق أوروبا، وما تبع ذلك من إضعاف شديد لدور الأحزاب اليسارية والنقابات العمالية والمهنية فى المجتمعات الغربية.

ومعروف أن الاتجاهات اليمينية ـ وضمنها بالطبع الأحزاب والاتجاهات الشعبوية الصاعدة مؤخرا فى أوروبا ـ تميل بقوة إلى تقليص دور الدولة فى تقديم الخدمات العامة وتخليها (أى الدولة) عن مسئولياتها الاجتماعية، وخاصة فى مجالات الرعاية الصحية والتعليم ورعاية الطفولة وكبار السن، باعتبارها كلها مجالات عالية التكلفة، ترتبط بدفع ضرائب عالية وبإنفاق حكومى واسع.. بينما تتبنى تلك القوى اليمنية أفكارا وسياسات تهتم بخفض الضرائب علي أرباح الشركات، وتقليص الإنفاق الحكومى، وتمتد إلى رفع سن الإحالة إلى التقاعد (64 ـ 65 سنة بدلا من 60) وتقليص نسبة مشاركة الدولة وأرباب الأعمال فى معاشات التقاعد، بالرغم من التأثير السلبى لهذه السياسات على خلق فرص العمل، وزيادة نسبة البطالة بين الشباب.

هذا التوجه الغربى العام لانسحاب الدولة تدريجيا من مسئولياتها الاجتماعية، والتقليص المستمر للخدمات العامة وإحالتها إلى القطاع الخاص عبر سياسة خصخصة الخدمات الاجتماعية، كان من نتيجته إضعاف منظومات الرعاية الصحية فى دول أوروبا الغربية بصورة ملحوظة، مقارنة بما كانت عليه قبل عدة عقود وتقليص موازناتها، وحينما جاءت (جائحة) ضخمة مثل وباء كورونا، كانت منظومة الرعاية الصحية الأوروبية أقل استعدادا لمواجهتها، بسبب ضعف الموازنات والإمكانات.

ولعبت السياسة المنحازة اجتماعيا دورها في تأخير الاستجابة الضرورية من جانب الحكومات لضرورات إغلاق المصانع والمؤسسات الاقتصادية فى الوقت المناسب، حتى لا يضطر أصحابها لتكبد الخسائر ولتحمل مسئولية أجور العاملين أو تجد الدولة نفسها أمام هذه المسئولية، ولنلاحظ مثلا التأخر الشديد من جانب الحكومة اليمينية ـ الشعبوية الإيطالية فى اتخاذ الإجراءات الضرورية فى الوقت المناسب، وما أدى إلى ذلك من تفش مخيف للوباء فى إيطاليا، تليها إسبانيا.. ونلاحظ أيضا أن نسبة الإصابات والوفيات فى ألمانيا هى الأقل بين الدول الأوروبية الكبري بالرغم من عدد سكانها الكبير نسبيًا (أكثر من 80 مليون) نسمة.

وصحيح أن الاعتبارات الثقافية تلعب دورها في هذا الصدد، فالألمان مثلا أكثر انضباطًا واستعدادا للخضوع للنظام من الإيطاليين والإسبان، لكن الدولة لو اتخذت إجراءات صارمة في إيطاليا وإسبانيا لكان الجمهور قد اضطر للخضوع لها تحت طائلة العقوبات، إذ كان الوعى لا يكفى.

>> لكن المسألة الأهم أن ألمانيا لديها نظام صحى أفضل، ونظام سياسى أكثر إحساسا بالمسئولية تجاه شعبه،لأن مفاهيم المسئولية الاجتماعية أكثر تجذرًا لأسباب تاريخية (حكم يمينى معتدل).. ولهذا رأينا مواجهة أكثر فعالية للوباء وإصابات ووفيات أقل.

درس صينى آخر

لقد سلَّط تفشى وباء الكورونا الضوء بقوة على مشكلات وضع منظومات الرعاية الصحية في أوروبا الغربية وعلى الدور الضرورى للدولة في أوقات الكوارث و(الجوائح)، وثبت بالطبع أنه لم يكن هناك غنى عن هذا الدور لمواجهة كارثة بحجم «كورونا» والحقيقة أن تجربة الصين بدورها تؤكد هذا الدرس وصحيح أن النظم السياسية تختلف وأن الصين دولة مركزية، وإن تكن رأسمالية يبنيها الشيوعيون، ولكن هذه الدولة برهنت على مسئولية تجاه مواطنيها، أكثر مما برهنت عليه دول تقول عن نفسها إنها «ديمقراطية» ثم تترك الشعب لمصيره، حتى تنفجر كارثة تحصد الأرواح بلا رحمة، وعلى نطاق واسع.. ويكتشف الجيش والأمن جثث موتى مسنين منسيين ماتوا بسبب الوباء في دور المسنين دون أن يلاحظهم أحد، كما حدث في إسبانيا وهولندا، فأين الإنسانية؟!!

الواقع أن الصين وروسيا قد لعبتا دورا مهما ـ ولا تزالان ـ فى أوروبا، وخاصة فى إيطاليا، حيث جاء فرق الأطباء والممرضين من الصين للمشاركة فى مواجهة الوباء، مزودة بكميات كبيرة من الأجهزة والمستلزمات الطبية، كما تواصل روسيا إرسال طائرات النقل الثقيل (15 طائرة حتى صباح الأربعاء 25 مارس) محملة بالأجهزة والمستلزمات الطبية مما جعل الإيطاليين ينزلون علم الاتحاد الأوروبى ـ الذي لم يساعدهم ـ ويرفعون الأعلام الروسية والصينية ويقبلونها.. علما بأن دولة «بولندا» الشريك فى الاتحاد الأوروبى وفي «الناتو» رفضت مرور الطائرات الروسية في أجوائها، مما اضطرها لقطع طريق أطول، بسبب الخلافات السياسية لبولندا مع روسيا!! وما ذنب المرضى الإيطاليين؟؟! أما أمريكا فسارعت إلى إغلاق أبوابها في وجه الطيران الأوروبى!!

>> لقد كشف وباء كورونا عن عورات كثيرة للنظم السياسية والاجتماعية القائمة، وللتكتلات والتحالفات من قبل الاتحاد الأوروبى و«الناتو».. والمؤكد أن شعوب أوروبا والعالم ستعيد النظر فى مسلمات كثيرة، بعد أن تفرغ من مواجهة الوباء، الذى مثل اختبارا قاسيا لعلاقات برهنت على خوائها وقت الشدة، وكشف زيف عبارات كثيرة معسولة.

بنك الاسكانالبنك الأهلي المصري
البنك الأهلي المصريHDB