الأموال
الخميس، 4 يونيو 2020 09:44 صـ
12 شوال 1441
4 يونيو 2020
شارك
CIB
الأموال

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرماجد علي

كُتاب الأموال

أسامة أيوب يكتب :  مع اقتراب رمضان.. يتجدّد السؤال.. لماذا يجري الزمن سريعًا

الأموال

شهران فقط.. ثمانية أسابيع.. ستون يومًا.. سوف تمر سريعًا، ويهل علينا شهر رمضان المبارك، وكأنه كان قبل شهرين أو بضعة أسابيع، وهكذا دار الزمن دورته بتلك السرعة الفائقة، وهكذا صار إحساسنا بجريان الزمن، حيث صارت السنة كأنها شهر، وصار الشهر كأنه أسبوع والأسبوع كأنه يوم أو يومان، حتى صار اليوم كأنه بعض يوم.

‫< ‫< ‫<

ولذا فإنه مع اقتراب حلول رمضان بعد شهرين، يتجدد السؤال الذي صرنا نردده كثيرًا في السنوات الأخيرة، ولماذا يجرى الزمن وتمر السنون والشهور والأيام بتلك السرعة الكبيرة التي تلتهم حياة الناس وهم فى غفلة وعلى النحو الذى لم يستشعروه فى زمن غير بعيد.

إن هذا الإحساس العام بسرعة جريان الزمن والذى يحظى بإجماع لا خلاف عليه من جيل كبار السن وجيل الشباب بل بين الأطفال وسط عشرات من علامات التعجب والحيرة.. هذا الإحساس العام يثير الكثير من التساؤلات.. بحثًا عن إجابة واضحة أو حتى إجابات مختلفة، يمكن أن تقدم تفسيرًا مقنعًا لتلك الظاهرة.. ظاهرة تسارع جريان الزمن أو بالأحرى الإحساس بهذه السرعة.

‫< ‫< ‫<

قد تتعدد وتتباين التفسيرات ما بين دينية واجتماعية واقتصادية وتكنولوجية أيضًا، بينما لا يمكن التوقف عند إحداها منفردة كتفسير وحيد للظاهرة، ومن ثم تظل كلها مجتمعة تفسيرًا مقبولاً، وإن بقى التساؤل مطروحًا.

‫< ‫< ‫<

التفسير الدينى هو الأكثر شيوعًا بين عموم الناس.. استنادًا إلى ما تواتر في الثقافات الدينية وخاصة الإسلامية وأدبياتها عن نزع البركة من الوقت مع اقتراب نهاية الزمن.. دليلاً على اقتراب يوم القيامة.

ومع التسليم بهذا التفسير الدينى باعتباره من علامات الساعة، إلا أنه تبقى تفسيرات أخرى من غير الممكن إغفالها، باعتبارها مكمّلة لذلك التفسير ولا تتعارض معه، إذ يمكن تفهّم أنها تمثل الأسباب العملية والمظاهر الواقعية لقرب نهاية الزمن وفقًا للتفسير الدينى، ومن ثم تسارع وتيرة جريانه على النحو الذى يشعر به الناس.

‫< ‫< ‫<

ولأنه من المؤكد علميًا أنه لا سبب فلكيًا لظاهرة الإحساس بسرعة جريان الزمن، إذ لم يحدث أى تغيّر يُذكر في سرعة دوران الأرض حول نفسها، أو حول الشمس، ولكن الذى تغيّر هو تسارع إيقاع حركة البشر فوق الكوكب بالمقارنة مع حركة الحياة والناس في الأزمان السابقة، حيث كانت الحياة والحركة أكثر بساطة وأكثر بطئًا، ومن ثم كان الإحساس بمرور الزمن طبيعيًا وفقًا لمساحته الحقيقية.

‫< ‫<<

ولذا فإنه من غير الممكن أيضًا إغفال تأثير أدوات وآليات العصر الحديث والتى لا تتوقف عن التطور الهائل والمتسارع دون توقف يومًا بعد يوم والتى تتزايد سطوتها على حركة وحياة الناس بفعل تلك الثورة التكنولوجية المهولة التي أحدثت صدمة حضارية غير مسبوقة فى تاريخ البشرية.

‫< ‫< ‫<

فى هذا السياق فإن ثورة الاتصالات الحالية والخيالية بحضورهما الطاغى فى حياة الناس جعلت العالم كله بين أيدى سكانه فى لحظة واحدة، بعد أن كنا نصفها قبل سنوات ليست بكثيرة بأنها جعلت العالم قرية واحدة، وتحت تأثير وسائل التواصل الاجتماعى أهدر الناس أوقاتهم وأضاعوا إحساسهم بالزمن الذى يتسرب من بين أيديهم وهم لا يشعرون.

‫< ‫< ‫<

وفي نفس الوقت، فإن الانتشار والتزايد الهائل فى أعداد القنوات الفضائية بات يمثل أحد أهم أسباب فقدان الإحساس الطبيعى بالزمن الحقيقى، بعد أن سرقت تلك الفضائيات أوقات الناس وباتت تمر عليهم مرورًا أسرع من مرور السحاب في السماوات.

وأمام هذا التطور التكنولوجى الهائل تراجعت القراءة بدرجة مخيفة بعد أن كانت أهم وأكبر وأقوى مصادر الثقافة والمعرفة، وهذا التراجع بات أيضًا سببًا مهمًا لا يُلتفت إليه في تفسير ظاهرة الإحساس بتسارع جريان الزمن، إذ لا يخفى أن القراءة من شأنها أن تمنح الإنسان فرصة حقيقية للتدبر والتأمل وإعمال العقل وعلي النحو الذى يشعر معها بالوقت الحقيقى.

‫<< ‫<

ومع كل تلك الأسباب يبقى أيضًا السبب الاقتصادى تفسيرًا مهمًا لتلك الظاهرة، حيث تمثل الأوضاع الاقتصادية الصعبة واللهاث وراء توفير لقمة العيش ومتطلبات الحياة ضغطاً هائلاً على حركة الحياة وبالتالي الإحساس بسرعة جريان الزمن خاصة مع ارتفاع سقف الطموحات والمتطلبات في ضوء إغراءات الحياة الحديثة بأدواتها وآلياتها التي لا تتوقف عن التطور الدائم.

‫< ‫<<

تلك الأسباب مجتمعة يمكن أن يكون تفسيرًا أو بالأحرى تفسيرات متعددة للظاهرة، ويبقى الباب مفتوحًا لمزيد من الاجتهادات بحثًا عن تفسيرات أخرى لإحساس الناس بسرعة جريان الزمن.

<‫< ‫<

فى ختام تلك السطور.. أذكر أننى منذ أكثر من عشرين سنة كنت أمازح أسرتى وأصدقائى وزملائى عقب عيد الأضحى المبارك وأقول لهم استعدوا «رمضان قرّب» حتى صار ذلك المزاح متداولاً بيننا.

< ‫< ‫<

ومع اقتراب رمضان أقول غير مازح، استعدوا رمضان بعد أيام، وكل عام وأنتم بخير، ويظل السؤال حائرًا لماذا نُزعت البركة من الوقت.

آخر الأخبار

بنك الاسكانالبنك الأهلي المصري
البنك الأهلي المصريHDB