الأموال
الخميس، 4 يونيو 2020 10:26 صـ
12 شوال 1441
4 يونيو 2020
شارك
CIB
الأموال

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرماجد علي

كُتاب الأموال

د. محمد فراج يكتب .. كورونا - دروس صينية (1)

الأموال


وسط طوفان الأخبار الكئيبة التى تتدفق عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعى حول تفشى وباء الكورونا، وزيادة أعداد المصابين وحالات الوفاة، تجىء الأنباء السارة من الصين- التى كانت مركز انطلاق الوباء فى ديسمبر الماضى- مبشرة بالأمل فى السيطرة على الوباء المخيف وإمكانية القضاء عليه.
يوم 10 مارس الجارى حملت وسائل الإعلام تصريحاً للزعيم الصينى (شى جين بينج) يقول فيه إنه قد تمت السيطرة على الوباء فى مدينة (ووهان) الصناعية الكبرى (12 مليون نسمة) - نقطة انطلاق وتفشى الوباء.. ومصداقاً لذلك نقلت وسائل الإعلام صورة للرئيس الصينى وهو يقف- بدون كمامة- فى المستشفى الرئيسى لعلاج كورونا، بعد أن شفى جميع المرضى الذين كانوا فيه، وتم إخلاؤهم وتعقيم المكان ثم بدأت تتوالى الأنباء عن إخلاء مزيد من المستشفيات بعد شفاء المرضى، وتخفيف أو إلغاء حظر التجوال فى أحياء «ووهان» تباعاً، وعن تناقص عدد الإصابات الجديدة والوفيات بصورة كبيرة وعن عودة (90٪) من المصانع فى ووهان وبعض المدن القريبة منها إلى العمل، بعد أن كان قد تم إغلاقها فى إطار إجراءات صارمة للسيطرة على حركة المواطنين منعاً لانتشار العدوى.
وكانت الأنباء قد بدأت تتوارد عن عمل العلماء المكثف للتوصل إلى صناعة مصل واق من كورونا وأدوية لعلاجه إلى أن تم الإعلان يوم الأربعاء الماضى (18 مارس) عن تطوير دواء يابانى (موجود فعلاً) بحيث يمكن استخدامه لعلاج فيروس الكورونا (كوفيد - 19) تحت اسم «فافيبيرافير» وأن الدواء الجديد حقق نتائج جيدة، والمرضى الذين عولجوا به أصبحت نتائج تحليلاتهم سلبية خلال وقت قصير، وأن الصين تستعد لإنتاج الدواء المذكور على نحو واسع لعلاج مرضاها وتصديره إلى العالم.. (وكالات الأنباء والمواقع الإلكترونية - 18 مارس - و«الأهرام» - 19 مارس 2020.
ويجىء هذا الخبر من الصين، بينما أعلنت فرنسا فى اليوم نفسه عن نجاح استخدام دواء قديم لمرض الملاريا (بلاكنيل) من إنتاج شركة (سانوفي) فى علاج الكورونا، وعن اتجاه النية لتصنيعه على نطاق واسع.. كما يعمل العلماء الألمان والأمريكيون بصورة مكثفة لإنتاج لقاح واقٍ من المرض. وقد اجتمع الرئيس الأمريكى ترامب مع رئيس الشركة الألمانية العاملة فى هذا المجال وحاول إقناعه بنقل الشركة وأبحاثها إلى أمريكا مقابل مليار دولار.. لكن الحكومة الألمانية رفضت الفكرة قطعياً، وأقالت الشخص المذكور من منصبه، ليحل مكانه مسئول آخر.
ووسط هذه الجهود المحمومة يبرز الدواء الصينى (ذو الأصل اليابانى)- «فافيبيرافير» باعتباره يملك ميزتى الوقاية والعلاج فى الوقت نفسه- ولهذا فإن من الطبيعى أن يلقى اهتماماً أكبر.
بينما أعلن الرئيس الأمريكى ترامب عن قرب التوصل إلى لقاح واقٍ من المرض غير أن طريقة ترامب المعروفة فى إطلاق التصريحات المثيرة إعلامياً تجعل المراقبين يأخذون كلامه بقدر غير قليل من الحذر، خاصة أننا فى عام الانتخابات الأمريكية.
والمؤكد أن الأخبار الأخيرة (وخاصة القادمة من الصين وفرنسا) تفتح أبواباً للأمل فى مواجهة أكثر فاعلية لوباء كورونا (كوفيد-19) إلا أننا يجب أن نضع فى اعتبارنا أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الوقت لإجراء تجارب أوسع ولاختبار الأعراض الجانبية تجاه أمراض مختلفة، وكذلك التعرف على التكلفة وأثرها على إمكانية استخدام هذا الدواء أو ذاك، وخاصة فى البلدان الفقيرة - ثم إمكانيات التصنيع الواسع.. إلخ.. إلا أن كل هذه الأمور لا تقلل من أهمية الأخبار الواردة من الصين وفرنسا، ومن كونها تفتح أبواباً للأمل فى مواجهة كارثة الكورونا.
دروس مهمة
النجاحات الكبيرة التى حققتها الصين فى مواجهة الوباء تتضح أهميتها خصوصاً من كون ذلك البلد أكبر عدد من مرضى الكورونا (أكثر من 90 ألفاً شفى منهم عشرات الآلاف) وأكبر عدد من حالات الوفاة (أكثر بقليل من 3000) وذلك من بين عدد سكان هائل (حوالى 1400 مليون نسمة).. والسيطرة على المرض وبدء تراجعه فى بلد بهذه الضخامة أمر بالغ الصعوبة، ولذلك فإن استخلاص (ومذاكرة) دروس هذا الإنجاز ضرورية بصورة مطلقة وأن الوباء لا يزال ينتشر فى أكثر من مائة من بلدان العالم انتشار النار فى الهشيم، وترتفع أرقام المرضى وحالات الوفاة كل ساعة، وليس كل يوم.
ــ وأول وأهم هذه الدروس هو الحزم الكامل والشمول فى إدارة الأزمة، وتعبئة الموارد الوطنية بسرعة شديدة من أجل الإدارة الناجحة للأزمة، فبمجرد أن اتضحت ضخامة الكارثة لجأت بكين لفرض حظر التجوال فى مدينة (ووهان) - مركز الوباء - وفى عدد من المدن القريبة منها فى مقاطعة هوبى، مع عزل هذه المدن عن بعضها البعض وعن بقية البلاد، بحيث أقيمت منطقة عزل صحى يبلغ عدد سكانها نحو ستين مليون نسمة. وتم ذلك بحزم كامل مع تحديد أوقات لخروج سكان الأحياء المختلفة لشراء الطعام أو الدواء والاحتياجات الأكثر أهمية، وبالتناوب بين الأحياء، وبحيث يتم ذلك بأسرع ما يمكن، ثم يعود المواطنون (للحجر الصحى) فى منازلهم.. علماً بأن فرداً واحداً من كل أسرة هو الذى كان مسموحاً له بالخروج.. وبديهى أن ذلك قد ارتبط بالتوقف الشامل للمصانع (لاحظ أن هذه المدينة والمدن القريبة منها تشكل منطقة صناعية ضخمة) والإدارات الحكومية والمدارس والجامعات.. إلخ، وأقيم هذا (الحجر الصحى) العملاق تحت إشراف صارم من جانب قوات الأمن والجيش.
وإذا كانت بلدان عديدة قد حظرت الطيران إلى الصين أو منها - فإن بكين هى أيضاً قد حظرت الطيران إلى بعض البلدان.
ــ الدرس الثانى: أن التعبئة العالية للموارد سمحت للصين بإقامة مستشفى يتسع لألف سرير فى «ووهان» خلال عشرة أيام لعلاج مرضى كورونا، تبعته عدة مستشفيات أخرى خلال أيام قليلة.. وعلاوة على الحملة الشاملة للتوعية بأساليب الوقاية من الوباء التى رافقت تلك الإجراءات وشملت كل أنحاء البلاد وبجميع وسائل الإعلام - وقد تلازمت مع توفير الكمامات والقفزات والمطهرات وكل أدوات الوقاية مجاناً وبكميات كافية للسكان. كما تم تنظيم حملات تطهير وتعقيم شاملة لمختلف المصانع والمنشآت الحكومية وغير الحكومية ووسائل المواصلات وكل الأماكن التى يمكن أن يمتد إليها الوباء، والتى يمكن أن يكون قد امتد إليها فى وقت سابق.. وكان للجيش الصينى الدور الأكبر فى كل هذه العمليات مع وجود متطوعين مزودين بكل وسائل الوقاية، وخاصة على الحواجز المحيطة بالمدن، وبين الأحياء.. إلخ.. مع وجود (كواشف حرارية) مع أغلب القائمين على حظر التجوال، وتوجيه أى شخص مشتبه فى إصابته بالمرض إلى المستشفيات فوراً، لفحصه واحتجازه للعلاج إذا كانت حالته تقتضى ذلك.
ــ الدرس الثالث: نظراً لأن الصين بلد متقدم تكنولوجيا، فقد تم استخدام التكنولوجيا على أوسع نطاق بدءاً من تسجيل كافة المرضى والمشتبه فى مرضهم. والعلاقات المرتبطة بهم.. إلخ.. على شبكات الكمبيوتر العملاقة، بحيث يمكن الوصول إلى أى منهم فوراً، وإخضاعه لإجراءات الفحص والعلاج إذا لزم الأمر.
ــ كما تم استخدام الروبوت على أوسع نطاق فى المستشفيات للقيام بإجراءات الفحص، حيث لوحظ أن أفراد الطواقم الطبية يتعرضون للعدوى على نطاق واسع (أصيب ثلاثة آلاف منهم نتيجة لوجودهم فى الأجواء الموبوءة بالمرض، وتوفى عدد غير قليل منهم).
ــ كما أن الروبوت يقوم بعملية الفحص بصورة أسرع (يمكنه فحص عشرة أشخاص فى نفس الوقت) وتسجيل بياناتهم من خلال اتصاله بشبكات الكومبيوتر.
ــ كما استخدمت الروبوتات على نطاق واسع فى فحص الناس الموجودين فى الشوارع، وفى توصيل الطلبات والأدوية إلى المنازل وخاصة بالنسبة لكبار السن والأقل قدرة على الحركة.. إلخ.. وبديهى أن هذه الروبوتات كلها مرتبطة بشبكات الكومبيوتر العملاقة التى تسجل كل شىء، كما أنها ليست معرضة للعدوى كالإنسان وتعقيمها سهل، بحيث لا تكون مصدراً محتملاً للعدوى.
ــ الدرس الرابع : أنه تم توجيه المنشآت الإنتاجية المتخصصة على وجه السرعة لإنتاج كل ما يلزم لمكافحة الوباء.. وعموماً فإن المسئولين الصينيين لم يتوقفوا أمام التكلفة لإنقاذ الشعب والبلاد من كارثة استفحال الوباء، لا فيما يتصل بالإنفاق.. ولا فيما يتصل بوقف المصانع وتعطيل الإنتاج.. لأن الإنسان وصحته وحياته أهم من كل شىء.. وبديهى أن إمكانات الصين الاقتصادية الضخمة (ثانى أكبر اقتصاد فى العالم) تستطيع أن تتحمل دفع مثل هذا الثمن فضلاً عن أن نظامها الصحى متطور وقوى ومؤهل للمواجهة الناجحة لمثل هذه الأزمة الكبرى.
والأمر الأهم هو أنه لا الاقتصاد ولا التكنولوجيا ولا النظام الصحى يعمل من تلقاء نفسه، بل إن الإدارة الذكية العلمية والحازمة والشاملة للأزمة (أى البشر) هى وحدها التى يمكنها أن تدمج كل هذه العناصر معاً، وتعبئ كل الموارد المتاحة فى اللحظة والمكان المطلوبين.. ولولا هذه الإرادة الإنسانية لما تمكنت الصين من تحقيق هذا النجاح الكبير، ومن لا يصدق ذلك عليه أن يتأمل ما يجرى فى أوروبا، وخاصة فى إيطاليا.
وغني عن البيان أن هذا الإنجاز الصينى الكبير لا يعود إلى الحكام وحدهم. بل إن الشعب الصينى نفسه شريك أساسى فيه، بما أبداه من وعى وانضباط ورباطة جأش.
وللحديث بقية

بنك الاسكانالبنك الأهلي المصري
البنك الأهلي المصريHDB