الأموال
الأحد، 29 مارس 2020 05:17 صـ
5 شعبان 1441
29 مارس 2020
شارك
CIB
الأموال

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرماجد علي

كُتاب الأموال

د. محمد فراج يكتب : ٢٠١٠ - ٢٠١٩ .. تحولات استراتيجية فى النظام العالمى (٥)

الأموال

صحوة الدب الروسى.. قلبت موازين القوى العالمية

بوتين ورفاقه أعادوا روسيا إلى مصاف القوى العظمى

«صدفة تاريخية سعيدة» أتاحت النهوض في زمن قياسى

تحدثنا في مقالنا السابق (الأموال - ٢٣ فبراير ٢٠٢٠) عن حالة «الغيبوبة التاريخية» التى عانت منها روسيا في سنوات التسعينيات من القرن العشرين، تحت حكم بوريس يلتسين والطغمة المحيطة به، وعن انهيار الاقتصاد بسبب الخصخصة المصحوبة بفساد منفلت وسياسة «الانتقال إلى اقتصاد السوق عبر العلاج بالصدمة» ونهب ثروات البلاد وتهريب ٥٠٠ مليار دولار إلى الخارج.. وهى الأوضاع التى نتج عنها انهيار حاد في مستوى معيشة الشعب الروسى بجميع فئاته وطبقاته غير المشاركة في عملية النهب هذه، وتغلغل الفساد والجريمة المنظمة في المجتمع.

كما تكلمنا عن انتشار الإرهاب وتفكك أجهزة الدولة ومؤسساتها، وتفشي النزعة الانفصالية في عدد من الجمهوريات الصغيرة المتحققة بالحكم الذاتى فى إطار روسيا الاتحادية، وأشرنا إلى انعكاس كل هذه الأوضاع سلبًا على القوات المسلحة الروسية، وخطورة هذه الانعكاسات على الأمن القومى الروسى وكذلك عن حالة التبعية لأمريكا والغرب التي أصبحت سمة للقيادة الروسية، وعن توسع حلف الأطلسى باتجاه الحدود الغربية لروسيا، وضمه لدول أوروبا الشرقية التى كانت أعضاء فى حلف وارسو تحت قيادة موسكو.

وذكرنا أن هذه الأوضاع أثارت سخطاً متزايداً لدى فئات واسعة من الشعب الروسى، وكذلك لدى نخبة من «رجال الدولة الروسية العميقة» في أجهزة المخابرات والجيش ومؤسسات الصناعات العسكرية وأجهزة الأمن ووزارة الخارجية وغيرها من مؤسسات الدولة الهامة، الذين كانوا غير راضين أصلاً عن هدم الاتحاد السوفيتى في إطار مؤامرة كبرى قادتها أجهزة المخابرات الغربية بالتعاون مع عناصر داخلية وضد إرادة الشعب السوفيتى (والروسي).

ومعروف أنه كان قد أجرى فى ربيع نفس عام ١٩٩١ الذى تم في نهايته تفكيك الاتحاد السوفيتى استفتاء على استمرار وجود الاتحاد العتيد، وافق فيه أكثر من ٧٠٪ من الناخبين على استمرار الاتحاد.

ومعروف أيضًا أن معارضة أغلبية أعضاء البرلمان الروسى لسياسات يلتسين، ووجهت بقيام الأخير بقصف مبني البرلمان بمدفعية الدبابات (في أكتوبر ١٩٩٣) واقتحام المبنى، واعتقال رئيس البرلمان وأعضائه!!

بالرغم من ذلك كان الحديث يجرى في الغرب عن يلتسين باعتباره «بطل الديمقراطية»!! بالرغم من هذه السابقة «الديمقراطية» التى لم تحدث في أى بلد في العالم.

النخبة الوطنية الروسية.. والصراع على السلطة

وقد شهدت سنوات التسعينيات صراعات سياسية ممتدة بين «رجال الدولة الروسية العميقة» ونخبتهم الوطنية من جهة، وبين كل من «اللوبى الأطلسى» و«اللوبى الصهيونى» الموالين للغرب.. وبذلت النخبة الوطنية الروسية جهوداً ضخمة للحفاظ على الحد الأدنى الممكن من مقومات الدولة، والحقيقة أن لولا جهود هذه النخبة الوطنية لكانت الدولة الروسية قد تفككت وسقطت بالفعل.

لكن هذه النخبة تمكنت من الصمود ومن تصعيد بعض ممثليها إلى مناصب هامة فى الكرملين ومؤسسات الدولة من بينهم «فلاديمير بوتين» عقيد المخابرات السابق الذى عمل لسنوات طويلة في ألمانيا الديمقراطية «الشرقية» ثم عاد إلى مدينة ليننجراد «بطرسبورج الحالية» ليصبح مساعدًا ثم نائباً لرئيس بلديتها، ثم لينتقل إلى الكرملين كنائب لرئيس الإدارة الرئاسية، ثم كرئيس لجهاز الأمن الفيدرالى، ليصبح عام ١٩٩٩ رئيسا لوزراء يلتسين، ثم تمكن رجال النخبة الوطنية من عزل يلتسين عبر «انقلاب قصر» هادئ فى ٣١ ديسمبر

١٩٩٩ بعد أن عهد إلي بوتين بمنصب «القائم بأعمال الرئيس».. ليصبح رئيسا فعليًا بعد انتخابات رئاسية أجريت في مارس ٢٠٠٠.

تاريخ جديد لروسيا

بوصول فلاديمير بوتين إلى السلطة بدأ تاريخ جديد لروسيا.. وحدث تحول شامل في سياساتها الداخلية والخارجية وأسفر الرئيس الجديد عن وجه جديد، لم يكن يستطيع أن يكشف عنه في ظل حكم يلتسين ورجاله وتبنى سياسات مختلفة تماما عن سياسات سلفه، انتهت بروسيا إلى وضعها الحالى كقوة عظمى خلال عشر سنوات أو أكثر قليلاً.

التطورات الكبري التى شهدتها السياسات الروسية فى الداخل والخارج فى ظل حكم بوتين، جعلت الكثيرين في الغرب وفي روسيا نفسها ينسبون التغيير الكبير في أوضاع البلاد إلي بوتين وحده، وإلي دوره الفردى.. غير أن هذا غير صحيح إطلاقًا مع اعترافنا بالمواهب القيادية والسياسية الفذة للرئيس الروسى.. ونود هنا أن نشير إلى ملاحظتين بالغتي الأهمية..

بوتين لم يكن وحده

الأولى: أن بوتين كان عضواً في النخبة الوطنية من «رجال الدولة الروسية العميقة» التى أشرنا إليها، والتى قامت بدفعه من منصب قيادى إلى آخر وصولاً إلي الكرملين، ثم رئاسة الوزراء، ومن ثم رئاسة الجمهورية.. ومثلت سندًا قويًا له وسط غابة السلطة الاستبدادية التى كان يترأسها بوريس يلتسين..

وكان بين رجال هذه النخبة من هم أكبر وأقوى وأهم منه قبل المرحلة الأخيرة من صعوده. ونذكر من بين هؤلاء خصوصًا «يفجينى بريماكوف» المستشرق والأكاديمى الكبير، ورئيس المخابرات الأسبق، وكذلك رئيس الوزراء الأسبق في التسعينيات، والذى كان اسمه.. ولايزال يتمتع باحترام كبير، وبتأثير فكرى ضخم في صنوف هذه النخبة الوطنية «توفى منذ عدة سنوات».. ولايزال بوتين نفسه حريصًا على تكريم ذكراه كل عام، بما لذلك من دلالة.

كما أن أعضاء هذه النخبة بينهم قدر كبير من الانسجام الفكرى والسياسى فيما يتصل بالأفكار الأساسية حول ضرورة استعادة روسيا لدورها كدولة عظمى على الساحة الدولية، وتعزيز قدراتها العسكرية ونفوذها وبناء تحالف متماسك مع أكبر عدد ممكن من دول «رابطة الدول المستقلة»/ الكومنولث الروسى/ بما في ذلك التحالف الدفاعى «معاهدة الأمن الجماعى» والروابط الاقتصادية «الاتحاد الأوراسى».. وقيام الدولة بدور بارز في الاقتصاد، وخاصة المشروعات الاستراتيجية الكبرى مع الحفاظ على «اقتصاد السوق الرأسمالى»..

وعلى قيام الدولة بدور كبير فى دعم الخدمات الاجتماعية للطبقات الأقل دخلا، وتدخلها النشيط فى السياسات السكانية بالذات، حيث تعانى روسيا من نقص واضح فى عدد السكان قياسا إلى مساحتها الكبيرة (١٧ مليون كم٢)..

وبالتالى فإن الدولة تشجع علي الانجاب، وتدعم الأسر الكبيرة. ويمثل هذا الانسجام والتماسك فى النخبة الحاكمة دعمًا بالغ الأهمية لاستقرار السلطة السياسية، ولنجاح بوتين نفسه في تنفيذ سياساته، كما ينعكس في مستوى واضح من استمرارية القيادات فى مناصبها لسنوات طويلة.. خذ مثلاً ميدفيديف «رئيسا للوزراء ثم رئيسا في الفاصل الدستورى لرئاسة بوتين، الذى أصبح رئيسا للوزراء، ثم العودة كرئيس للوزراء حتى أسابيع قليلة مضت» واستمرارية «سيرجى لافروف» الطويلة كوزير للخارجية و«سيرجى شويجو» كوزير للدفاع.. إلخ، ولاشك أن مثل هؤلاء الأشخاص كلهم قياديون ورجال دولة بارزون، وشركاء فى صناعة الإنجازات، مع التسليم بالدور الأكبر والموهبة القيادية البارزة لبوتين.. ولكن ضمن فريق من المساعدين الموهوبين والأكفاء والمنسجمين.

صدفة تاريخية سعيدة!

الملاحظة الثانية: تتصل بأن وصول الفريق الجديد إلى السلطة قد تواكب مع «مصادفة تاريخية» سعيدة حقًا تتمثل في ارتفاع كبير لأسعار البترول الذى تعد روسيا أحد أكبر مصدريه، ويعد أكبر مصادر العملة الصعبة لديها، حيث يمثل الجزء الأكبر من عائدات تصدير الخامات التى تقدم لروسيا الاتحادية (7٠٪) من موارد العملة الصعبة لديها، وقد ارتفعت أسعار البترول و(الغاز) بسرعة كبيرة منذ عام ٢٠٠٠ حتى عام ٢٠١٤ وبصورة مستمرة، ليبلغ سعر البترول من خام برنت (١١٥ - ١٢0) دولارا للبرميل، الأمر الذى أحدث طفرة فى موارد البلاد من العملات الصعبة.

وساعد ذلك القيادة الجديدة علي تنفيذ خططها للبدء فورا في إعادة تنظيم الاقتصاد وخاصة القطاع الصناعى وقطاع الصناعات العسكرية وضخ استثمارات كبيرة في منشآت هذين القطاعين وغيرها من المنشآت الاقتصادية.

ونتيجة لهذه التوجهات وللظروف المواتية حقق الاقتصاد الروسى نسبة نمو تتراوح بين (٦٪ و٧٪) خلال السنوات (من ٢٠٠٠ إلى ٢٠٠٨) حتى جاءت الأزمة المالية - الاقتصادية العالمية ـ بسبب انهيار البنوك الأمريكية لتؤثر عليه بالسلب بصورة واضحة عامى ٢٠٠٩ و٢٠١٠ قبل أن يعاود انطلاقه حتى ٢٠١٤،

ليتعثر من جديد عامى ٢٠١٥ و٢٠١٦ بسبب العقوبات الأوروبية والأمريكية والإغراق الأمريكى لأسواق البترول بدءا من النصف الثانى من عام ٢٠١٤ ولنحو عامين، ثم تجاوز الاقتصاد الروسى آثار العقوبات، وتمكنت موسكو بالتعاون مع الرياض من قيادة تحرك لامتصاص الفائض فى الأسواق البترولية

العالمية، لتعاود الأسعار ارتفاعها النسبى، إلى ما فوق الخمسين والستين دولارا للبرميل، بعد أن كانت قد انخفضت إلى (٢٦ دولارا للبرميل) مقابل (١٢٠ دولارا) قبل العمل بسياسة الإغراق الأمريكية!! أى لأقل من الربع.

والحقيقة أن القيادة الروسية الجديدة حققت انجازا كبيرا لاقتصاد البلاد فى الفترة من (٢٠٠٠ - ٢٠٠٨) بفضل تضافر سياستها لإعادة تنظيم وترشيد الاقتصاد وزيادة الموارد نتيجة لارتفاع أسعار البترول.

>> ووفقًا لأرقام صندوق النقد الدولى (على أساس حساب القوة الشرائية للدولار PPP)، فقد ارتفع الناتج المحلى الروسى من (١٫٦٣٥ تريليون دولار) عام ٢٠٠٠ إلى (١٫٧٥٧ تريليون دولار) عام ٢٠٠١، ثم إلى ٢٫٠٤٦ تريليون دولار) عام ٢٠٠٣ وإلى (٢٫٧٥٨ تريليون دولار) عام ٢٠٠٦ وإلى (٣٫٢٧٩ تريليون دولار) عام ٢٠٠٨ لينخفض عام ٢٠٠9 إلى (٣٫٠٣٦ تريليون دولار) بسبب الأزمة المالية الاقتصادية، ويرتفع نسبيًا عام ٢٠١٠ إلى (٣٫٢٤1 تريليون دولار)، ومن ثم يرتفع بقوة إلي (٣٫٤٤١ تريليون دولار) عام ٢٠١١ ليقفز إلى (٣٫٨٢٨ تريليون دولار) عام ٢٠١٤.

الاقتصاد.. واستعادة القوة العسكرية

واستنادًا إلى هذا النمو الاقتصادى القوى، وإلى العوائد البترولية الكبيرة تمكن القيادة الروسية من تخصيص موارد ضخمة لإعادة تنظيم وتطوير القوات المسلحة، وتوجيه استثمارات كبيرة لإعادة بناء وتحديث الصناعات العسكرية، بما فيها منظومات الصواريخ الاستراتيجية، ومنظومات الدفاع الجوى وأقمار الاستطلاع العسكرى (التجسس)، والغواصات الاستراتيجية الحاملة للصواريخ النووية، وأجيال جديدة من الطائرات المقاتلة والدبابات المتطورة.. إلخ.

وهكذا أصبحت روسيا تقف على أرض دفاعية صلبة، وعززت قدرتها على الردع النووى فى مواجهة أمريكا (وهو أساس الحفاظ على السلام فى العصر النووى)، كما تمكنت من بناء قوات برية وجوية وصاروخية ضخمة على جبهتها الغربية، مع حلف «الناتو» الزاحف بقوة في اتجاه الشرق، والذى ضم ثلاثا من الجمهوريات السوفيتية السابقة المطلة على بحر البلطيقة، والملاحقة للحدود الروسية (استوانيا ولاتفيا وليتوانيا).

وهكذا.. وبفضل إعادة بناء قوات روسيا المسلحة وصناعاتها الدفاعية الحديثة واقتصادها المتماسك.. وبفضل النمو العاصف للقوة الصينية الصاعدة اقتصاديًا وعسكريًا وعلميًا، والتحالف بين موسكو وبكين، أصبح ممكنًا القول إن العالم ـ على مشارف العقدين الأول والثانى من هذا القرن يدخل مرحلة «الانتقال إلى تعدد القطبية» ثم ينتقل منها خلال سنوات العقد الثانى إلى مرحلة تعدد الأقطاب، والتى يمكن القول إنها قد بدأت بالفعل، وهو ما تبرهن عليه وقائع العقد المنصرم.

الاقتصاد الروسى.. والمجتمع

ومن الضرورى الإشارة إلى أن التطورات الاقتصادية التى تحدثنا عنها قد أتاحت لروسيا تحسين الأحوال المعيشية لسكانها التى كانت قد تدهورت بصورة هائلة في مرحلة «الرأسمالية المتوحشة».. أو «العلاج بالصدمة»، فقد أتاح تحسن الأوضاع الاقتصادية وتدفق الموارد البترولية توفير إمكانيات كبيرة لتحسين الأوضاع المعيشية والخدمات الاجتماعية، وزيادة الأجور والمعاشات بصورة ملموسة، الأمر الذى عزّز شعبية النظام الجديد.

كما تعرض «حيتان الخصخصة» الفاسدة لضربات قوية تباعًا خلال الشهور والسنوات الأولى لحكم بوتين ورفاقه، حين حاولوا التصرف بنفس طريقتهم في عهد يلتسين.. لكن النظام الجديد تصدى لهم، وطالبهم بسداد الضرائب ورسوم التصدير والتزاماتهم تجاه الدولة، التى كانت قد تراكمت بعشرات الملايين.. وحينما رفضوا قامت الدولة ـ بصورة قانونية تمامًا ـ بالاستيلاء على أسهم شركات عديدة كانوا قد أخذوها بالمجان تقريبًا.. وهو ما أعاد للدولة أهم شركات البترول ومؤسسات إعلامية ومالية عززت بدرجة كبيرة دورها الاقتصادى والاجتماعى، ورفع كثيراً من إمكانياتها لتمويل مختلف مشروعاتها.. وقدراتها على الإنفاق الاجتماعى والعسكري..

وللحديث بقية..

آخر الأخبار

بنك الاسكانالبنك الأهلي المصري
البنك الأهلي المصريHDB